سيد محمد طنطاوي

286

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

حياتهم ، هو : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّه أَتْقاكُمْ . ولقد استجاب الرسول الكريم لهذا التوجيه الحكيم ، فبنى حياته كلها بعد ذلك على هذا الميزان العادل ، ومن مظاهر ذلك : إكرامه لابن أم مكتوم ، وقوله له كلما رآه : « أهلا بمن عاتبني فيه ربي » . وفعل صلى اللَّه عليه وسلم ما يشبه ذلك ، مع جميع المؤمنين الصادقين الذين كانوا من فقراء المسلمين ، ولم يكونوا أصحاب جاه أو نفوذ أو عشيرة قوية . لقد جعل زيد بن حارثة - وهو الغريب عن مكة والمدينة - أميرا على الجيش الإسلامي في غزوة مؤتة ، وكان في هذا الجيش عدد كبير من كبار الصحابة . وقال صلى اللَّه عليه وسلم في شأن سلمان الفارسي : « سلمان منا أهل البيت » . وقال صلى اللَّه عليه وسلم في شأن عمار بن ياسر ، عندما استأذن عليه في الدخول : « ائذنوا له . مرحبا بالطيب المطيب » . وكان من مظاهر تكريمه لعبد اللَّه بن مسعود ، أن جعله كأنه واحد من أهل بيته . فعن أبي موسى الأشعري قال : قدمت أنا وأخي من اليمن ، فمكثنا حينا وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من كثرة دخولهم على رسول اللَّه ، ولزومهم له . . . وقال صلى اللَّه عليه وسلم لأبى بكر الصديق عندما حدث كلام بينه وبين سلمان وصهيب وبلال في شأن أبي سفيان : يا أبا بكر لعلك أغضبتهم ، لئن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك . فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه . . . أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر ، فقالوا : ما أخذت سيوف اللَّه من عدو اللَّه مأخذها ، فقال أبو بكر : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم ؟ . فأتى النبي صلى اللَّه عليه وسلم فأخبره فقال : « يا أبا بكر لعلك أغضبتهم ؟ لئن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك » فأتاهم فقال : يا إخوتاه أأغضبتكم ؟ قالوا : لا . ويغفر اللَّه لك يا أخي . . . « 1 » . ولقد سار خلفاؤه صلى اللَّه عليه وسلم على هذه السنة ، فكانوا يكرمون الفقراء ، فأبو بكر - رضى اللَّه عنه - أذن لصهيب وبلال في الدخول عليه ، قبل أن يأذن لأبى سفيان وسهيل بن عمرو . . .

--> ( 1 ) رياض الصالحين ص 142 . باب : ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة .